السيد كمال الحيدري
330
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
سبحانه : لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا . وهو الدليل الذي نظرت له اللغة الفلسفية بعنوان برهان التمانع ، الذي يرتكز بدوره إلى قياس استثنائىّ مركّب له مقدّم وله تال . لقد تمّ إشباع مقدّمات هذا القياس بأوجه تقريرية عديدة مستمدّة من النصوص القرآنية ذاتها ومن منتجات الفكر التفسيري وما أفرزه على هذا الصعيد ، لتكون النتيجة في نهاية المطاف ، هي : لو كان هناك أرباب وآلهة متعدّدون للزم فساد عالم الإمكان ، والتالي باطل ؛ لما ذكره القرآن في مشاهد عديدة من اتّساق النظام الكوني ، إذن فالمقدم مثله ، وهو تعدّد الآلهة ، والنتيجة أنّه لا يُتصوّر سوى ربّ العالمين ربّاً لهذا الكون ومدبّراً له . 6 جاء الفساد في الاستعمال القرآني على نحوين ؛ فساد مرتبط بالعقل النظري وفساد مرتبط بالعقل العملي . ما يلزم من تعدّد الآلهة وينفيه القرآن نفياً قاطعاً هو الفساد الذي يرتبط بالعقل النظري وانفساخ العالم . أمّا الآيات التي أشارت إلى وجود الفساد فهي بصدد الحديث عن الفساد الاجتماعي والسياسي والاقتصادى وغير ذلك ممّا يرتبط بالعقل العملي . ووقوع هذا الفساد ممكن ، بل واقع ، لكنّه قبيح ولا يرتضيه القرآن . إذن لا تعارض بين الفساد الذي تنفيه آية ودليل التمانع والفساد الذي تثبته الآيات الأخرى . هذه النقطة تمّت معالجتها في امتداد الحديث عن برهان التمانع . 7 بعد دليل التمانع تمّ استعراض دليل آخر يقوم أساساً على إثبات التوحيد في الربوبية والتدبير من خلال التوحيد في الخالقية ، وعرضه في صيغتين تقريريتين ، في الأولى تمّ التعامل مع الربوبية بوصفها حقيقة ترجع إلى الخالقية وهى شأن من شؤونها ، ومن ثَمّ مَن يكون خالقاً لابدّ أن يكون ربّاً . أمّا في الصيغة الثانية فقد تمّ التعامل مع الربوبية كشىء والخالقية كشىء آخر ، لكن على النحو الذي تستلزم فيه الربوبية أن يكون الربّ خالقاً ، ومن ثمّ فمن يريد أن يكون ربّاً لابدّ أن يكون خالقاً .